عاجلعرب وعالم

الأميرة ريما تقود دبلوماسية ”ناعمة“ لتغيير العلاقات الأمريكية السعودية

في جو مشحون بالمشاعر المختلطة، تحاول السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة الأمريكية الأميرة ريما بنت بندر، شق طريقها الخاصة في عالم الدبلوماسية بواشنطن، معتمدة على ما تصفه بـ“القوة الناعمة“.

وتتنازع الأميرة ريما اعتبارات عديدة، فهي بنت وسفيرة المملكة المحافظة ذات التقاليد الاجتماعية الراسخة، وفي الوقت نفسه، بنت العاصمة الأمريكية واشنطن التي تربت فيها مع والدها السفير السابق، وتعلمت في مدارسها وجامعاتها، وبين هذا وذاك، نالت شهرتها في الدفاع عن حقوق النساء بالسعودية.

وتحاول ريما، سليلة العائلة المالكة بالسعودية، تطويع هذه العوامل وتطويرها، لإظهار المملكة بشكل مختلف في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلق شراكة شاملة على مختلف المستويات بين البلدين الحليفين بالفعل.

وأبرز تقرير لصحيفة ”بوليتيكو“ الأمريكية، توجهاتها، مشيرًا إلى اجتماعها بـ50 موظفة بالسفارة السعودية في واشنطن، أوائل أغسطس الماضي، حيث تحدثت لهن عن حقوق منحت لهن حينها، شملت حق الحصول على جوازات السفر والسفر إلى الخارج، والزواج، وطلب الطلاق والحصول على حق الوصاية القانونية للأطفال، وشرحت أنه ”على الرغم من مكانتها الملكية، إلا أنها كأم مطلقة، لم تكن ربة أسرتها حتى منحت النساء هذه الحقوق“.

وخاطبت النساء وهي ترتدي سروالًا وسترة من دون حجاب: ”لديكن الحق في تشكيل هويتكن الخاصة، والتنقل، والحلم، والعمل“. وحذرت من أن الحريات الجديدة تأتي مع مسؤوليات جديدة قائلة: ”اعرفن أين أموالكن، وكن متفهمات للرجال السعوديين، الذين لا يملكون كتيب إرشادات للعالم الجديد.. سوف نمر بمنحنى تعليمي عاطفي للغاية فيما يخص المسموح به الآن“.

وكانت هذه لحظة تاريخية للمملكة العربية السعودية وللسفارة على حد سواء، فالأميرة ريما هي أول امرأة تشغل منصب سفيرة سعودية لأي بلد.

وفي أول مقابلة لها منذ وصولها إلى واشنطن بعد تعيينها، أوضحت السفيرة أنها تدرك أن سيرتها الذاتية وتاريخها في الدفاع عن حقوق المرأة لن يغير نظرة منتقدي السعودية بسهولة، والذين يعتقدون أنها تم تعيينها كحيلة دعائية.

وقالت لصحيفة ”بوليتيكو“: ”يحق لكل شخص تكوين رأيه بنفسه، ولكن أود أن أُقيم بناءً على جودة عملي. فأنا لست هشة، وسأشعر بالإهانة إذا تلقيت معاملة خاصة“.

رأب الفجوة الثقافية 

وفي واشنطن، كانت الأميرة ريما تلتقي بالمشرعين ومسؤولي الإدارة، وتطلق جهدًا جديدًا أوسع لرأب الفجوة الثقافية بين أمريكا والسعودية، من خلال رحلة في الساحل الغربي في الأسابيع الأولى من تسلمها المنصب.

ووصف أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الأميرة ريما، بأنها ”شخص جاد“ يمكنه أن يحدث تقدمًا مع المشرعين والمسؤولين الآخرين في إدارة ترامب، لصالح العلاقات مع الرياض.

وتقول كارين إليوت هاوس، مؤلفة كتاب ”المملكة العربية السعودية: شعبها وماضيها ودينها شقوقها ومستقبلها“:  ”إن وظيفتها واضحة، وهي محو بعض وجهات النظر السلبية تجاه المملكة، وهي مناسبة لأداء هذه المهمة، فهي ليست مجرد أميرة وامرأة، بل هي أم مطلقة، ولديها بالفعل الكثير من القواسم المشتركة مع المرأة الأمريكية ”.

ملفات على الطاولة

وتدرك ريما حجم تعقيد الملفات التي عليها حلحلتها في واشنطن، من موضوع الناشطات المعتقلات، إلى تداعيات حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، في قنصلية المملكة بإسطنبول، وهي الحادثة التي تُتهم أطراف كثيرة بمحاولة تسييسها.

وترى ريما، التي كانت تدافع عن المساواة بين الجنسين، أن رد الفعل العالمي على سجن الناشطات مبالغ فيه، وأشارت إلى أنه ”قد تم إطلاق سراح معظم النساء، إلا أن بعضهن ما زلن رهن الاحتجاز، حيث تزعم منظمة العفو الدولية تعرضهن للتعذيب في السجن، وهي مزاعم تنفيها الحكومة السعودية.

وتعتقد الأميرة أن الناشطات المحتجزات، ”خرقن القانون من خلال المطالبة بهذه الحقوق علانية، خاصة وأن الإصلاحات كانت بالفعل في الطريق“.

ودافعت الأميرة عن المملكة، وأكدت أن الغرب عليه أن ينظر إلى تحول السعودية بشكل عادل، قائلة: ”أنتم تطالبوننا بالتغيير، وعندما نظهر التغيير، تعاملوننا بسخرية وتشاؤم، نحن لا نعمل على المساواة بين الجنسين لأن الغرب يريد ذلك، أو لأن هذا سيوقف انتقادات هيومن رايتس ووتش، أو لأن منظمة العفو الدولية ستقول إن هذا عمل رائع، نحن نفعل ذلك لأنه الصواب“.

بدورها قالت ”مي الدايل“، وهي ابنة دبلوماسي سعودي نشأت في الولايات المتحدة مع الأميرة، وتعتبر صديقتها المقربة: ”لقد أصبحت ريما نجمة في السعودية، لقد قالت ما أراد الجميع أن يقوله، وهو أننا نسعى للتغيير بوتيرة تناسبنا“.

وبخصوص مقتل خاشقجي تقول ريما: ”الحادث كان مأساة شخصية ولغمًا أرضيًا محترفًا.. حزنت على وفاة هذا الرجل على المستوى الشخصي، وأحزن على ما يمكن أن يكون نهاية رؤيتنا، فقد كان يكتب الإيجابيات التي يمكن أن تحققها المملكة، واحترامًا له، وهو شخص كان بمثابة أحد أفراد عائلتي، آمل ألّا يعاقب الناس 11 مليون شاب سعودي على ذلك“.

ونفت ريما مزاعم ضلوع ولي العهد السعودي في الحادث، قائلة: ”في تلك المرحلة كنت قد قضيت وقتًا كافيًا مع ولي العهد لأعلم أن هذا ليس أسلوبه، هذه ليست الطريقة التي يعمل بها، وهذا شيء من شأنه تدمير كل ما يحلم به، ولا أستطيع تخيل أمره بذلك“.

وكان نهج الأميرة ريما في العمل، حتى الآن، أكثر علنية وأوسع نطاقًا من السفراء السابقين، فعلى الرغم من أن مهمتها المباشرة هي تعزيز التحالف السياسي بين واشنطن والرياض كما فعل والدها، إلا أنها تؤكد أن غريزتها الأساسية تدفعها للعمل أكثر على ما تسميه: ”الجانب الناعم للتغيير الاجتماعي“، إذ تريد أن يتوسع نطاق التعاون السعودي الأمريكي إلى شراكة شاملة في الأعمال والثقافة والتعليم، بدلًا من التركيز على مكافحة الإرهاب أو النفط، كما تحاول تصوير المملكة العربية السعودية على أنها مجتمع أكثر تسامحًا، حيث أرسلت مؤخرًا لمسؤول الاتصالات اليهودية بالسفارة تحية في عيد روش هاشناه اليهودي.

وخلال الصيف، سافرت الأميرة إلى لوس أنجلوس لاستضافة ”ورشة دبلوماسية رياضية“ وقدمت مشروع نيوم، وهي مدينة تقدر بـ 500 مليار دولار على الساحل الشمالي الشرقي للسعودية، لعدة عملاء أمريكيين ورياضيين سابقين، والذين كانوا متحمسين، مثل المسؤولين التنفيذيين الذين زارتهم في ”سبيس إكس“، والذين كانت تأمل أن تعمل معهم للمساعدة في تطوير صناعة الفضاء السعودية.

وبعد شهر في نيويورك، وبين الاجتماعات مع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حضرت الأميرة تصفيات كأس العالم للسيدات، وعندما وصلت لتشجيع نادي كرة القدم السعودي، والذي ساعدت في تشكيله في الرياض، قوبلت بترحيب كبير وطوفان من صور السيلفي.

طفولة في واشنطن

وتعتبر الأميرة ”ريما بنت بندر آل سعود“، ذات مكانة مرموقة في العائلة الملكية السعودية، فهي ابنة الأمير بندر والأميرة هيفاء بنت فيصل ابنة نجل الابن الثالث للملك فيصل، كما أنها حفيدة الملك الراحل عبدالعزيز، وهذا يجعل ريما سليلة مباشرة للملك عبدالعزيز، من جانبي أسرتها.

الأميرة ”ريما“، التي كانت في سن الـ7 من عمرها عندما انتقلت عائلتها إلى واشنطن بحكم منصب والدها، نشأت في أمريكا بقدر نشأتها في السعودية، حيث تربت على الدين الإسلامي، وتناولت الطعام مع أشقائها الـ7 في مطاعم ”بيتي كروكر“ و“ماكدونالدز“ و“كنتاكي“، بينما كانت تمضي عطلاتها الأسبوعية مع الأسرة، فكانوا يشاهدون الأفلام يوم السبت، ثم يتناولون البيتزا أو الطعام الصيني.

وكانت أيام الأحد مخصصة للشواء ومشاهدة كرة القدم في مزرعة العائلة في ”ماريلاند“، وكانت دائمًا ما يتبعها الأمن، ولكنها أوضحت: ”لم تدللنا أسرتنا لأننا أمراء“، مؤكدة أن والدها، وهو أحد أقوى الدبلوماسيين في واشنطن، سعى لمنحهم حياة طبيعية، بقدر الإمكان.

طريق وعر

وبعد حصولها على شهادة في دراسات المتاحف من جامعة جورج واشنطن في عام 1999، سعت ريما لشق حياتها المهنية في عالم الفن، ولكن سرعان ما بدأت تصطدم بالعادات الاجتماعية السعودية، والقيود المفروضة على السيدات.

وفي عام 2008، عادت إلى الرياض وهي تخطط للإشراف على أجزاء من مجموعة والدتها الفنية الإسلامية، التي كان من المقرر عرضها في المتحف الوطني السعودي، ولكن المتحف رفض توظيف امرأة، مما دفع أسرتها للتبرع بالمجموعة الفنية لمنظمة نسائية أطلقتها جدة ريما، الملكة إيفات.

وشاركت ريما أيضًا في تأسيس أول صالة ألعاب وناد صحي للسيدات في الرياض، وعندما افتتحته هي واثنتين من بنات عمها، كانت اللوائح السعودية تسمح للنساء بامتلاك نوع واحد فقط من الأعمال التجارية، وهو محلات الخياطة، لذا خصصن غرفة لخياطة الملابس.

وشرحت ريما: “أنا لم أنشأ على صلابة المجتمع السعودي، وعندما عدت وقلت أريد أن أفعل كذا وكذا، والقانون يمنع ذلك، بل فعلت ما أخطط له، وبدا أنني تجاوزت الحدود، ولكن لم يكن لدي تلك الحدود في رأسي، فقد كنت أشعر بالراحة الأخلاقية“.

وبحلول عام 2010، أصبحت ريما أول مديرة تنفيذية لإحدى شركات التجزئة الكبرى في المملكة العربية السعودية، وتولت إدارة فرع هارفي نيكولز في الرياض، الذي تملك عائلتها شركته الأم.

وفي غضون بضعة أشهر، أصدر عاهل البلاد حينها، الملك عبدالله، مرسومًا يطالب المتاجر بتوظيف موظفات في الأقسام النسائية، واستغلت الأميرة الفرصة، وأقالت العشرات من الباعة المتمرسين، ووفرت خدمة رعاية الأطفال ووسائل النقل لموظفاتها الجدد، وساعدتهن على فتح حساباتهن البنكية الخاصة لإيداع رواتبهن، ونبهتهن إلى أن المال الذي يجنينه ملكهن.

وكانت هذه تجربة اجتماعية جذرية في بلد مُنع فيه حينها تفاعل النساء مع الرجال، باستثناء الأقارب، خارج المنزل، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الأرباح، بسبب إغلاق الشرطة الدينية السعودية للمتجر عدة مرات؛ لعدم اتباعها الإرشادات التي تحد من تفاعل المرأة مع الرجال، ولكن ريما طعنت في الاتهامات بوزارة العمل ثم عادت لفتح المتجر والعمل مرة أخرى.

وفي عام 2013، وبعد طلاق ودي من الأمير فيصل بن تركي، الذي أنجبت منه طفلين، أسست ريما منظمة ”ألف خير“، وهي منظمة لتوفير التوجيه للنساء السعوديات اللائي يدخلن سوق العمل، وبدأت تروج للوعي بسرطان الثدي.

وعن هذه المحطة تقول ريما: ”لقد كان الأمر وصمة عار، فكلمة الثدي نفسها من المحرمات في المملكة العربية السعودية، وكذلك فكرة الفحص الذاتي“.

ومع ذلك دعمت الحكومة السعودية حملتها الخاصة بالصحة العامة، وجذبت أعمالها انتباه رئيس الهيئة السعودية العامة للرياضة، التي تروج للرياضة واللياقة البدنية، وفي عام 2016 أصبحت الأميرة أول نائبة للتخطيط والتطوير ونائبة رئيس شؤون المرأة بالهيئة.

وفي عامها الأول، عملت من المنزل لتفادي بيئة العمل المعادية للمرأة، وعندما بدأت في الذهاب إلى المكتب أخيرًا، كان الرجال يرفضون استخدام المصعد معها لعدة أشهر.

وفي تلك السنة، كلف ولي العهد جميع الوكالات الحكومية بإيجاد طرق لتحسين نوعية الحياة في المملكة، وعملت الأميرة ريما على تنفيذ خطة للتربية البدنية في مدارس البنات، وترخيص الصالات النسائية واستخدام الأماكن العامة للنساء لممارسة الرياضة إلى جانب الرجال.

وقال فواز فاروقي، زميلها آنذاك: ”لقد حاربت حوالي 5 أو 6 وزارات من أجل بعض هذه التغييرات، وتحدثت عن رأيها دون أن يشعر الناس بالتهديد، واستمرت في الحضور والتحدث إلى جميع مستويات الحكومة باحترام، وغيرت رأي هؤلاء الموظفين الحكوميين واحدًا تلو الآخر، حتى قالوا حسنًا“.

وخلال اجتماع عام، سأل رئيس مبادرة جودة الحياة رؤساء الأقسام عن العقبات التي يواجهونها، فرفعت الأميرة يدها وسط الغرفة المليئة بالرجال، وقالت: ”لا يمكن تحقيق ذلك إذا اضطرت النساء لطلب الإذن من الرجال للانخراط في هذه النشاطات الرائعة، فالنساء لا يستطعن قيادة السيارة أو المشاركة بدون إذن، فلماذا لا نتخلص من هذه العقبات؟“.

وبعد الاجتماع ظلت الأميرة قلقة لعدة أسابيع من اعتبارها قد تجاوزت حدودها، حتى تم تعيينها رئيسة للجنة جديدة لتقليل العوائق أمام مشاركة المرأة في المجتمع، ثم أصدر الملك سلمان مرسومًا ملكيًا للحد من تلك العوائق، وتواصل مسلسل التمكين للمرأة، فعادت ريما إلى واشنطن، لكن هذه المرة سفيرة للمملكة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

?>