تحقيقاتعاجل

هروب الأطباء يهدد المستشفيات بأزمة خطيرة

آلاف الاستقالات بين المكلفين بسبب السفر للخارج


8% من أطباء إنجلترا مصريين و60% من الأطباء المصريين يعملون في السعودية
“كل شىء تمام” يتسبب فى صدام بين الأطباء والمرضى الغاضبين

أيمن الشحات
على عكس العادة المصرية الأثيرة بتفضيل الوظائف الحكومية على غيرها، وفقًا للمثل الشعبي الشهير عن “إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه” في إشارة إلى تمسك غير مفهوم بالعمل الحكومي في أي من أشكاله، استحدث الأطباء المصريين، خاصة الشباب منهم، منطقهم الخاص القائم على فكرة واحدة، الفرار من “الميري” و”ترابه”.

لأسباب مختلفة وإن كانت تدور في فلك واحد، باتت استقالات شباب الأطباء ظاهرة اعترفت بها وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد أمام مجلس النواب في سبتمبر الماضي حيث قالت أن مصر بها 103 آلاف طبيب لـ100 مليون مواطن، وأن 60% من الأطباء المصريين سافروا للعمل في السعودية، وهو ما تؤكده أيضا إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة عن الجهاز عام 2016، والتي كشفت أن 80 ألف طبيب يعملون في مستشفيات ووحدات مديريات الصحة والمستشفيات والمعاهد التعليمية، ويزيد العدد السابق عن عدد الأطباء المصريين العاملين في السعودية بـ15 ألف طبيب، بحسب الدكتور هشام شيحة الملحق الطبي بالسفارة المصرية بالسعودية سابقاً، ووكيل أول وزارة الصحة الأسبق، الذي قال أن عدد الأطباء المصريين في السعودية بلغ 65 ألف طبيب في نهاية عام 2017، إضافة إلى 25 ألف صيدلي، فيما قدرت النقابة العامة للأطباء عدد استقالات الأطباء خلال السنوات الثلاث الأخيرة بما يقارب 6 آلاف استقالة، وهو رقم غير مسبوق.
ومن ناحية أخري تفاقمت الأزمة بين نقابة الأطباء ووزارة التضامن الاجتماعى، بسبب قرار للثانية فى نهاية العام الماضى حول المعاش المبكر وعمل الطبيب فى المستشفيات الخاصة، وطالبت الجمعية العمومية لنقابة الأطباء رئاسة الجمهورية بالتدخل السريع، لإنقاذ أبنائها مما اعتبرته جورا على حقوق الأعضاء، وهددت بالتصعيد.

“الأحرار” تفتح ملف الأزمتين وتنقل الصورة كاملة لكل من يهمه الأمر لانقاذ ما يمكن انقاذه للحفاظ على مستقبل أطباء مصر وصون كرامتهم.

ظاهرة خطيرة
فى البداية يقول الدكتور محمد عبد الحميد، أمين صندوق نقابة الأطباء: أن إحصائيات موثقة داخل النقابة تشير إلى استقالة عدد 1,044 طبيبًا عام 2016، واستقالة عدد 2,549 طبيبًا عام 2017، فيما بلغ عدد الأطباء المستقيلين خلال عام 2018 – حتى 30 نوفمبر الماضي 2397 طبيبًا، لذلك لا نستطيع القول أنها حالات فردية ولكنها ظاهرة خطيرة، وأتوقع أنه خلال عدة أشهر لن يكون هناك أطباء بمصر.
ويتحدث أمين صندوق نقابة الأطباء، عن أسباب تلك الظاهرة قائلًا: الأسباب كثيرة جدًا، ومنها ضعف الأجور، والاعتداء المستمر على الأطباء في معظم المستشفيات جراء نقص الإمكانيات الذي يغضب المرضى وذويهم، لينصب هذا الغضب على الأطباء وحدهم، إضافة إلى ضعف فرص الدراسات العليا وتكاليفها المرتفعة مقارنة بدخول الأطباء، وحتى الأن لا يتم تطبيق القانون الصادر عام 2014 والذي ينص على تحمل جهة العمل مصاريف الدراسات العليا للطبيب.

ويشير أمين صندوق نقابة الأطباء، إلى أن المشاكل ليست بجديدة على القطاع الطبي، ولكن الظروف الاقتصادية تسببت في تفاقمها، بالأضافة الى ارتفاع التضخم وغلاء المعيشة أصبح راتب الطبيب لا يكفى شيئًا، وهناك أطباء مصريين يتجهون حاليًا للعمل بالدول الافريقية التى تمنح رواتب تصل لـ 3 آلاف دولار.

عدد كبير
ويؤكد الدكتور هشام شيحة وكيل أول وزارة الصحة الأسبق، والملحق الطبي الأسبق فى المملكة العربية السعودية، إن الأطباء المصريين العاملين فى الخارج عددهم أكبر من عدد الأطباء العاملين بالداخل، ويبلغ عدد الأطباء البشريين المصريين العاملين بالمملكة العربية السعودية حوالي 70 ألف طبيب، إضافة إلى عدة آلاف في بقية دول الخليج، وأن ما لا يقل عن 25 ألف طبيب يعملون بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وكندا، وتلك الأعداد مرشحة للزيادة إذا لم تتحسن ظروف عمل الأطباء داخل مصر وأوضاعهم المادية، فهذه الظاهرة لم تحدث من قبل، قائلا: موجة استقالات الأطباء ورفضهم للنيابات وإلغاء التكليف التي تحدث حاليًا لم تحدث فى تاريخ الوزارة من قبل، وكان نادرًا ما يستقيل طبيب أو يلغى تكليفه، بالأضافة إلى ارتفاع الأسعار وعدم زيادة رواتب الأطباء، فثبات رواتب الأطباء المتدنية أصلًا (أقل من 200 دولار شهريًا في المتوسط) مع موجة ارتفاع الأسعار، ضاعف معانتهم، خاصة شباب الأطباء والفرق الطبية المعاونة (التمريض والتخصصات الفنية)، إضافة إلى أن 80% من شباب الأطباء لا يمتلكون عيادات خاصة، وحتى العيادات الخاصة أصبحت لا تعمل كما في السابق نتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية، وحمل الدولة مسؤولية الاعتداءات المتكررة على الأطباء، بسبب “التصريحات الرسمية الذى تُصدّر معلومات غير صحيحة للناس بأن كل شىء متوفر، تتسبب فى صدام بين الأطباء الذين يكونون في مواجهة المرضى الغاضبين من عدم توفر الأسرة والمستلزمات الطبية والأدوية، ويؤدي إلى تكرار حوادث الاعتداءات على الأطباء، وهى أحد أسباب الأزمة.

عزوف الأطباء
ويعلق الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بكلية الطب جامعة عين شمس وعضو مجلس النقابة العامة للأطباء سابقًا فقد على ذلك بالقول: هناك عزوف من الأطباء عن الالتحاق بنيابات أقسام الطوارىء والتخدير والجراحات الدقيقة بكليات الطب والمستشفيات الجامعية، على عكس ما كان يحدث سابقُا من سباق للالتحاق بنيابات الجراحات الدقيقة، ويتم اختيار أوائل الدفعة، والأن أصبحنا نقبل أطباء ترتيبهم الدراسي متأخر ولا نجد أحيانًا.

متاعب كثيرة
ويؤكد سمير أن مستشفيات جامعة عين شمس شهدت أزمة هذا العام فى قسمي المسالك البولية والتخدير، لتقدم أعداد قليلة من الأطباء للالتحاق بنيابات تلك الأقسام، وحدثت مشكلة مماثلة في أقسام الطوارىء والتخدير بمستشفيات جامعة الإسكندرية وأسيوط، بخلاف أن عملها مرهق، فهي تعرضهم لمتاعب كثيرة وفى حالة وفاة مريض يتعرض الطبيب للحبس، ويتعرض أطباء الطوارىء للاعتداءات المتكررة، فأصبح الأطباء يفضلوا تخصصات مثل الجلدية والأشعة والتحاليل، توفر لهم دخل جيد، وتعرضهم لمشاكل أقل.
ويكشف سمير عن أن هناك طلاب من كليات الطب يستعدون للهجرة، من قبل التخرج، ويبدأون دراسة المعادلات الأجنبية، وتابع: “المعادلة الأمريكية تنقسم لثلاثة أجزاء، الجزء الأول منها يمكن امتحانه بعد العام الدراسي الثالث والجزء الثاني بعد العام السادس، والجزء الثالث فى الولايات المتحدة بعد التخرج”. وأضاف أن دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا تحتاج إلى أعداد كبيرة من الأطباء،” وهناك 8% من أطباء بريطانيا مصريين.

ظاهرة استقالات الأطباء أدت إلى عجز شديد فى الكوادر الطبية بالمستشفيات، وهو ما دفع وزيرة الصحة للإعلان عن أنها حصلت على موافقة مجلس الوزراء على منع الإجازات بدون راتب للأطباء نظرًا لحاجة العمل للأطباء. وسبق تصريحات الوزيرة قرارات صادرة عن مديري مديريات الصحة بالمحافظات بوقف الإجازات.
الاستقالات شبه الجماعية لم تضرب المستشفيات والأماكن التابعة لوزارة الصحة المصرية فقط، بل امتدت للمستشفيات الجامعية أيضًا، والتي كان يُنظر لأطبائها على أنهم أفضل حالًا من الأطباء العاملين بمستشفيات وزارة الصحة، ماديًا ومن ناحية حصولهم على الدراسات العليا مجانًا، وتعينهم كأعضاء هيئة التدريس بكليات الطب.

لم يتم الرد
أما مسؤولو وزارة الصحة فقد رفضوا الافصاح عن أى معلومات أو التصريح بأى تعليق يخص الموضوع، واعتذر الدكتور علي محروس رئيس قطاع الطب العلاجي بوزارة الصحة، عن التعليق على الموضوع أو التصريح بأى معلومات حوله، فيما لم يرد المتحدث باسم الوزارة الدكتور خالد مجاهد على هاتفه أو رسائل الـ”واتس آب” التي أرسلناها له.

الرئاسة مطالبة بالتدخل
وفيما يخص الأزمة بين نقابة الأطباء ووزارة التضامن الاجتماعى، بسبب أزمة المعاش المبكر وعمل الطبيب فى المستشفيات الخاصة، وطالبت الجمعية العمومية لنقابة الأطباء رئاسة الجمهورية بالتدخل السريع، لإنقاذ أبنائها مما اعتبرته جورا على حقوق الأعضاء، وهددت بالتصعيد.
ومن بين المتضررين الدكتور هشام استشاري باطنة، والذى قال: قضيت ما يقرب من 34 عاما في القطاع الحكومي، حتى قررت الخروج على المعاش لأجد أن معاشي متوقف بسبب عيادتي الخاصة، بالرغم من دفعي للضرائب المستحقة للدولة، فبعد إتمامي سن 50 عاما حاولت الاستفادة من الامتياز الذي حدده قانون الخدمة المدنية بتسوية المعاش مبكر، ولكني فوجئت بالقرار الذي ينص على منعي من الحصول على معاش، حيث رفضت التأمينات ذلك مؤكدين أنه لا بد أن أحضر خطابا من النقابة بعدم مزاولتي المهنة وغير موجود بجداول المشتغلين.

دعوى قضائية
ويقول إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء: إن القانون المصري بموجب قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 فى مادته رقم 70 منع الموظفين العاملين بالجهاز الإداري للدولة الحق فى الخروج على المعاش المبكر بعد تجاوزه سن الخمسين ما لم يكن قد اتخذت ضده إجراءات تأديبية القرار الصادر نهاية العام الماضي، ولا يوجد لقرار وزارة التضامن سند قانوني ولكنه فتوى من الشئون القانونية بوزارة التأمينات، وسبق أن خاطبت النقابة التأمينات ووزارة التضامن الاجتماعي لإلغائه أو سيتم رفع دعوى قضائية، ولكن لم يتم إلغاء القرار، فجاءت قرارات الجمعية العمومية بمخاطبة الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء ومجلس النواب ووزيرة التضامن بإلغاء القرار والبدء فى رفع قضايا تضامنا مع الأطباء المتضررين من إصدار هذا القرار، لافتًا إلى أن قرار مثل هذا قد يؤدي لامتناع أى طبيب عن طلب إنهاء الخدمة بالمعاش المبكر مما يفرغ قانون الخدمة المدنية من مضمونه.

القانون واضح
بينما علق الدكتور علاء غنام، عضو اللجنة المشرفة على قانون التأمين الصحي بوزارة الصحة، أن القرار الصادر من وزارة التضامن غير قانوني خاصة أن قانون التأمينات الاجتماعية رقم 79 لسنة 1975 واضح ولم يتم تغييره بعد، لافتًا إلى أحقية الأطباء بالحصول على المعاش الاجتماعي ولا علاقة أو دخل لوزارة التضامن بمسألة فتح عيادة خاصة من عدمه طالما قضى الطبيب مهلة عمله القانونية داخل وزارة الصحة، مؤكدا أن قرار وزارة التضامن الإداري جانبه الصواب ولا بد من أن تراجعه من جديد لانتفائه مع الدستور والقانون.
وقد أكدت الدكتور غادة والي وزارة التضامن في خطاب رسمي موجه لنقابة الأطباء أن استحقاق المعاش المبكر يقضي ألا يكون المؤمن عليه في تاريخ تقديم الطلب للمعاش خاضعا لتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة في أي من قوانين التأمين الاجتماعي، وأشارت على عدم أحقية صرف المعاش المبكر في حالة امتلاك عيادة خاصة لخضوعه لأحكام تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وفق أحجام قانون التأمين الاجتماعي على أصحاب الأعمال ومن في حكمهم الصادر بالقانون رقم 108 لعام 1976.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

?>
error: Content is protected !!
إغلاق