الخروج الأمريكى.. بقلم: د. هالة مصطفى

د. هالة مصطفى

مع الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر التى قام بها تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن على برجى التجارة العالميين فى نيويورك ثم مبنى البنتاجون فى واشنطن والتى راح ضحيتها ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص من جنسيات مختلفة، تعلن الإدارة الأمريكية انسحابها الكامل غير المشروط لقواتها من أفغانستان التى غزتها عام 2001 ردا على تلك الهجمات، حيث كانت المقر الرئيسى للتنظيم آنذاك ومن بعده حركة طالبان المتحالفة معه والتى استولت على السلطة، قبل أن تنجح قوات التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة فى إزاحتها عن الحكم وإخراجها من العاصمة كابول، وقد علل جو بايدن القرار بقوله: إن الوقت قد حان لوضع حد لأطول حرب خاضتها بلاده فى تاريخها، وأن المقاربة المشروطة للانسحاب كما كان الحال خلال العقدين الماضيين، كانت ستعنى البقاء هناك إلى الأبد بسبب التعثر الدائم للمفاوضات حولها، وبالتزامن صرح أمين عام الناتو أنه سيتخذ نفس الخطوة، رغم اعترافه بما قد ينطوى عليه الأمر من مخاطر، ولكن البديل ــ وفق ما أشار ــ كان الالتزام بالوجود العسكرى طويل الأمد وإلى ما لانهاية، وهى مسألة غير ممكنة وغير واقعية أيضا.

والمعروف أن واشنطن عقدت اتفاقا مع طالبان فى فبراير 2020 ينص على سحب قواتها مقابل عدم سماح الأخيرة، لما تبقى من تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات المتطرفة التى تعج بها الساحة الأفغانية، باستهداف المصالح الأمريكية أو شن هجمات إرهابية على المناطق التى تسيطر عليها الحكومة الوطنية المنتخبة والمضى قدما فى التفاوض معها وصولا إلى سلام دائم، مع الأخذ فى الاعتبار أنها بالفعل أوقفت عملياتها مؤخرا ضد القوات الدولية (ربما بصورة مؤقتة لحين تنفيذ الانسحاب) وإن لم يحدث ذلك تجاه السلطة المحلية، إذ استمرت أعمال العنف والاغتيالات التى طالت سياسيين وإعلاميين وقضاة وناشطين من المجتمع المدنى، أى أن الاتفاق لا يضمن فى ذاته تغييرا جذريا للسلوك العدوانى للحركة.

أما عن التاريخ الطويل للتدخل الأمريكى فى أفغانستان الذى تحدث عنه بايدن، فيرجع مثلما قال إلى عهد الرئيس جيمى كارتر ومعه مستشاره للأمن القومى وقتها زبيجنيو بريجنسكى أحد مهندسى السياسية الأمريكية فى المنطقة، ولكن الهدف كان دعم ما يسموا بالمجاهدين ضد نظام الحكم الذى كان مواليا للسوفيت، بل وجاء بيل كلينتون ليقر ضمنا باستيلاء طالبان على السلطة، والشىء نفسه فعله دونالد ريجان بتوفير السلاح للمجاهدين الأفغان، فقد كانت حربا بالوكالة بين القطبين العظميين، ثم تغير الهدف بعد هزيمة الشيوعية وانقضاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتى ، ليبدأ جورج بوش الابن فصلا جديدا من القصة ويطارد قيادات هذه الحركة لمصلحة دعم الحكومة الشرعية، ويجئ باراك أوباما من بعده باستراتيجية بناء دولة وطنية على أسس حديثة تحقق الاستقرار ليتمكن من تخفيض عدد قواته المرابطة على الأرض بالتدريج، وهو ما لاقى معارضة من المؤسسة العسكرية وقتئذ، بعبارة أخرى إن طول المدة لم تكن كلها بغرض الحرب على الإرهاب.

والواقع أن تورط الولايات المتحدة فى حرب طويلة فى هذا البلد تحديدا، أصبح جزءا من النقاش العام فى الداخل الأمريكى وورقة سياسية وحزبية يستخدمها المتنافسون فى الانتخابات، خاصة على مستوى الكونجرس ضد بعضهم البعض، نظرا لعدم اقتناع قطاع كبير من المواطنين بجدواها، ومن هنا كان عزم الرئيس السابق دونالد ترامب على الانسحاب وتصريحه اللافت بأنه «لم يكن لأمريكا أن تتورط فى الحرب الأفغانية من الأصل» إلا أنه أرجأ تنفيذ قراره لحين نجاح المفاوضات بين طالبان والسلطة القائمة، وهو ما لم يتحقق حتى انتهاء فترة ولايته، وبالتالى فإن ما أقدم عليه بايدن لم يتعدى التغاضى عن هذا الشرط ليقر بانسحابه فى سبتمبر المقبل.

لا شك أن الخروج الأمريكى من أفغانستان ستكون له تداعياته، ففى مقال له بمجلة «فورين بوليسى» يصف جون بولتون المستشار السابق للأمن القومى القرار بأنه خطأ استراتيجى وهزيمة أخلاقية فى الحرب على الارهاب التى من المفترض فيها سلفا أنها ستطول لأنها حرب مفتوحة مثلها مثل الحرب على الشيوعية من وجهة نظره، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن التوقيت سيُضعف حتما حكومة كابول التى كانت تدعمها القوات الأمريكية فى صراعها مع طالبان التى مازالت تسيطر على أجزاء من الريف الأفغانى وبعض الممرات والطرق المهمة ، كما قد تضع جهود بناء الدولة الوطنية فى مهب الريح أو تُرجعها إلى المربع رقم واحد، وليس مستبعدا أن تنشب حرب أهلية مع زيادة استهداف طالبان للأقليات والنساء وكل معارضيها سواء فى مؤسسات الدولة أو المجتمع بشكل عام.

كذلك قد يقوى هذا الخروج من تحركات ونشاط الجماعات الإرهابية المنتشرة على امتداد خريطة الشرق الأوسط من باكستان إلى المغرب، ويجعلها أكثر جرأة فى الاضطلاع بعمليات العنف التى تعتبر جزءا أصيلا من فكرها ومنهجها الذى لم يتبدل إلى الآن، وقد تستغل حالة الفوضى المنتشرة فى بعض الدول العربية مثل سوريا والعراق وليبيا لتدعيم مواقعها واستعادة الأرضية التى خسرتها بعد اغتيال الكثير من قياداتها البارزة على أيدى القوات الأمريكية، وقد تزيد من عمليات التجنيد واستقطاب أنصار لها، ولن يكون مستغربا أن تروج لانتصارها على قوات التحالف الدولى وإجبارها على الانسحاب مثلما حدث مع القوات السوفيتية فى الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضى.

الواقع، أن هذا القرار لا يمكن تقيمه والنظر إليه بمعزل عن مجمل سياسات أمريكا فى الشرق الأوسط التى تتأرجح بين ضرورة الانخراط فى قضاياه والرغبة فى النأى عنها فى الوقت نفسه، ربما لأن المنطقة لم تعد تحتل الأهمية ذاتها التى كانت عليها فى الماضى، فالحاجة للنفط تراجعت بعدما أصبحت من أكبر منتجيه ومُصدريه، بالاضافة إلى أن إسرائيل بعد توقيعها أكثر من اتفاقية سلام مع دول عربية وخليجية أصبحت أقل اعتمادا على الحماية الأمريكية، ناهيك عن سعيها لتقليل النفقات الباهظة التى أنفقتها على الصراعات والحروب التى تموج بها المنطقة، فضلا عن اخفاقها فى تمرير أجندتها المتعلقة بنشر الديمقراطية وحقوق الانسان وتبديل الأنظمة المستبدة.

فى كل الأحوال، يظل خروجها من أفغانستان يمثل لحظة فارقة شبيهة بمحاولتها إحياء اتفاقها مع إيران، ولكنه لن يعنى اسقاط المنطقة من حساباتها، فلن تتركها فى النهاية لغريميها الروسى والصينى، ومن ثم ستقف فى منطقة رمادية ستلقى بظلالها على مجريات الأحداث وربما تؤثر سلبيا على حلفائها فى المنطقة، وهو ما يجب التوقف عنده.

مقال د. هالة مصطفى – نقلا عن: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى