السودان يُقلع مع روسيا ويهبط مع أمريكا .. بقلم: د. عادل النيل

د. عادل النيل

 

عندما ذهب الرئيس السابق عمر البشير إلى روسيا مستنجدا وطالبا الحماية من الولايات المتحدة الأمريكية، كان أتباعه حينها يسبغون عليه بإسراف لقب أسد أفريقيا، في وقت لم تكف بعض الحناجر عن ترديد هتاف “أمريكا روسيا قد دنا عذابها”، فيما لم يتعذب إلا أهل الله الطيبين في السودان من تناقض واضطراب سياسة قادة البلاد.

لم يخذل الروس ضيفهم وأكرموه ليس حبا فيه ولكن تغيرت الموازين وقد جاءهم الفرج الإستراتيجي برجليه فهم يبحثون عن موطئ قدم في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وقد تعلموا الكثير من دروس الحرب الباردة وتجربة الاتحاد السوفيتي في التعامل مع العرب بكل تغيراتهم وعدم ثبات واستقرار سياساتهم.

أولئك الروس ورثة الاتحاد السوفيتي يعلمون جيدا أن زمن الإقلاع بالطائرات مع الاتحاد السوفيتي والنزول إلى الأرض مع الولايات المتحدة الأمريكية انتهى، ومن حصيلة تراكمية ماضوية مأساوية أصبحوا يعرفون أكثر كيف يتعاملون مع المنطقة وأهلها.

ظل العرب عموما ولسنوات يخاطبون الغرب من فوق رؤوس الروس، والذين كانوا بدورهم يعرفون أن الخطاب السياسي العربي منحاز إلى الغرب، وهناك في الواقع عدد من الطعنات التي تلقاها الاتحاد السوفيتي في خاصرته من بعض السياسيين العرب.

الضغط العربي على السوفيت في الماضي كان غير منطقي وبعيد عن الأداء السياسي المتوازن، وحتى قضية الأسلحة السوفيتية وعدم كفاءتها القتالية لم تكن مبررة، لأن القادة السوفيت كانوا ببساطة يردون بأن المشكلة ليست في الأسلحة وإنما في من يقاتل بها، ويستشهدون بكفاح الفيتناميين الذين هزموا الولايات المتحدة الأمريكية حتى الإذلال بأسلحة سوفيتية لم تخذلهم.

ذهاب البشير سابقا إلى روسيا يستعيد فكرة راسخة لم يقرأها رئيس السودان وهو يتجه إلى الدب الروسي، وفي تلك الفكرة يقول السفير السوفيتي في القاهرة فلاديمير فينوجرادوف “إنكم تجيؤون إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن تذهبوا إلى الغرب ثم تصلون معه حالة اليأس. تجيؤون إلينا دائما مضطرين كأنما نحن أمامكم بديل تقبلون به لا يتبقى أمامكم غيره”.

ربما لو رفعت الولايات المتحدة الأمريكية عقوباتها تماما والبشير لا يزال في السلطة لكان قد فعلها وألقى بفكرة القاعدة العسكرية البحرية في سلة النفايات الأمريكية، لأنه سيجد نفسه مهرولا إلى الغرب ويتحدث عن التوازنات والموازنات في العلاقات الدولية.

الشق العسكري الآن في السلطة السيادية والسياسية في السودان واصل الاتفاق مع الروس الذين لم يسمحوا بفتح اللعب السياسي ليتراجع الحاكمون الجدد عن اتفاقية القاعدة البحرية، وهي وضعية إستراتيجية مهمة لم يعد بإمكان أي طرف أن يتراجع منها، لذلك تسارع إنشاء القاعدة ووصلت عدة رحلات روسية عسكرية من قاعدة طرطوس السورية إلى قاعدة “فلامنجو” وتم تنصيب رادار، وأصبح العالم كله أمام أمر واقع جديد لا يمكن التفكير في التخلص منه إلا بعد ربع قرن من الزمان.

اكتوى الروس في ليبيا القذافي وتمت إزاحتهم بصورة دراماتيكية وفقدوا موطئ قدم مهم انعكس في شراستهم في البقاء بسوريا، وسيكونون أشرس في الحالة السودانية، ومن سوء التقديرات السياسية والفوضى في إدارة الدولة أن يتم التعامل مع روسيا بأقل من وضعها الحقيقي كقوة عظمى أو في أفضل الأحوال كتاجر سلاح، وذلك أمر تسبب في أضرار كبيرة للأطراف العربية.

الرئيس السوفيتي الأسبق ليوينيد برجنيف عبّر عن ذلك بوضوح وهو يخاطب العرب “إن بعضكم يتصور أنه يتعامل مع الاتحاد السوفيتي وكأنه تاجر سلاح، وهذا نزول بعلاقاتنا عن مستواها المطلوب.. وإذا شئتم أن تقبلوا مستوى تجارة السلاح فليكن ما تريدون. إن المصانع السوفيتية لن ترفض عقدا تجاريا معكم طالما أنه ليس موضع اعتراض سياسي، لكن هذه حالة تختلف في حدودها وأبعادها عما تطلبونه منا كثيرا”.

التجربة السورية مضافا إليها الاستحواذ القوي والمؤثر على شبه جزيرة القرم يؤكدان أن الروس اكتفوا من العبث معهم والقفز على رؤوسهم لمخاطبة الغرب، ومن لم يتعلم من تجاربه فقد انتهى درسه، ولعل في تجربة اليابانيين ما يجعل ساسة هذا الزمان يفكرون بنضج أكبر في ممارسة سياسية متزنة وأكثر وعيا لمطلوبات المصلحة الوطنية بكامل الدسم السيادي والكف عن تقديم الذات الوطنية كجمهورية موز.

في اليابان يعبّر سياسي ياباني عن متاعبهم مع الحرب الثانية ونتائجها عليهم بقوله “نحن حيوان اقتصادي لا أكثر ولا أقل.. هكذا علمتنا تجربة الحرب النووية التي لم يتعرض لها من البشر غيرنا.. وليس في مقدورنا، ولا في نيتنا أن ننسى هذا الدرس”.. من ينسى الدروس هم الطلاب الفاشلون الذين لم يستمتعوا مطلقا بأن يكونوا الأوائل الذين يتعاملون مع المعادلات المعقدة بشغف ويفككون تعقيداتها ببساطة.

قاعدة روسيا ليست مشكلة إن كانت الدولة صحيحة وواعية، وعلاقات الغرب لا يمكن أن تكون أزمة إذا ارتفع المؤشر السياسي إلى مستوى من النضج يؤمّن مصالح الدولة بفطنة واقتدار، فعالم اليوم قائم على المصالح ولم يعد يحتمل أفكارا كولونيالية يتم تمريرها في ساسة مغفلين أو قصيري النظر والأفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى