مجدي الدقاق يكتب: رجلنا في هافانا‏!‏

لا تمنعني مشاغل الحياة ومسئوليات المهنة‏,‏ واهتمامات العمل العام‏,‏ من مواصلة عادة قديمة تلازمني‏,‏ وهي العودة لقراءة الأدب أو مشاهدة أعمال سينمائية‏,‏ وتزداد هذه العادة إلحاحا علي‏,
عندما تتشابه أجواء الفكر والسياسة مع المناخ والطقس الذي مر علي مصر خلال الأيام القليلة الماضية, كان الطقس المصري مضطربا, جمع كل فصول العام بتنوعها في أيام قليلة, عجز خبراء الأرصاد عن قراءة وفهم الأحوال الجوية, إلا أن أحد حكماء المصريين, وهو فلاح بسيط, لا يهتم إلا بزراعة أرضه, وصف الحالة المناخية بأنها مجرد نوة ستستمر أياما ثم تهدأ مثلها مثل النوات التي تتعرض لها البلاد.
ومثلما كانت أحوال المناخ والطقس, كانت أجواء الفكر والسياسة, ولكن الأخيرة كانت بفعل فاعل, حاول أن يحولها أو يمهد لإعصار.. ووسط هذه الأنواء والأجواء, عدت لتقليدي القديم, وبحثت في مكتبتي المزدحمة بكتب وروايات تنتظر دورها في القراءة, وفي ركن منزو, وبعيدا عن لائحة الانتظار, وقعت في يدي رواية رجلنا في هافانا للكاتب الانجليزي الشهير جرهام جرين, وهي رواية تتندر بطريقة كوميدية, علي طريقة اختيار العملاء وزرعهم, وتدور الرواية حول قيام أحد رجال الاستخبارات البريطانية بتجنيد جاسوس يعمل في بيع الأدوات الكهربائية وزرعه في هافانا عاصمة كوبا, ولأن العميل لا يملك من المعلومات شيئا ولا يستطيع جمعها, فقد ظل يؤلف ويخترع معلومات وهمية ويرسلها, وبناء علي هذه المعلومات المفبركة وضعت بريطانيا العظمي كل خططها واستراتيجياتها السياسية والعسكرية, باعتبارها تملك أسرارا وثروة من المعلومات الدقيقة من مصدر وعميل واسع الاطلاع والاتصالات وهو رجلها المزروع في هافانا.
ولا أعرف ما هي العلاقة بين أجواء القاهرة ونوتها السياسية وبين تفاصيل هذه الرواية التي تعكس خيبة الأمل والصدمة في رجل تم زرعه, وهو مجرد بائع أدوات كهربائية, اضطر لفبركة, أخبار ومعلومات وتحليلات لإرضاء من زرعوه.
ويبدو أن جرهام جرين أراد بهذه الرواية, أن يقول ان دولا وأجهزة وجماعات يمكن أن تنساق وراء أوهام وأكاذيب, ثم تكتشف فيما بعد, أن معلوماتها تم جمعها من بائعي البطاطا بتعبير الرئيس الراحل أنور السادات, وقد لا تتشابه كثيرا تفاصيل هذه الرواية مع الأجواء التي تحملناها خلال الأيام القليلة الماضية في مصر, سوي في عنوانها العبقري, فرجلنا في هافانا يمكن أن يكون نفس الرجل مع تغيير المكان والمهنة, فيصبح رجلنا في بغداد أو في أفغانستان أو في هلسنكي وقد يصل إلي القاهرة, لا أحد يعرف, فالمناخ والطقس غير مفهومين, وقد تكون الأجواء أقرب إلي الفيلم الأمريكي الشهير أن تكون هناك وهو شريط سينمائي يحمل طابعا سياسيا, ولكنه كوميدي في الفكرة والاداء, ويحكي الفيلم عن مندوب مبيعات متجول يطارد سيناتورا أمريكيا ليبيع له أي شيء, ونظرا لارتباط السيناتور باجتماعات مهمة في حزبه, الذي كان يستعد لاختيار رئيس له, لدفعه للترشح باسم الحزب في انتخابات الرئاسة الأمريكية, حدد لمندوب المبيعات موعدا في مقر الحزب, فذهب ووجد نفسه وسط قيادات الحزب, وحاول مندوب المبيعات إقناع السيناتور بشراء أي شيء وفعل نفس الأمر مع بقية القيادات, التي لم تتفق علي اسم مرشح, ولفت نظرهم طريقة عرض مندوب المبيعات لبضاعته فطلبوا منه الحديث أمامهم, فصعد وتحدث إليهم, وشرح لهم مدي تحمله لمشقة مطاردة زبائنه, وتجواله المستمر في الشوارع, وكيفية تسويق أي بضاعة, موضحا أنه ليس مهما ما تبيعه, إنما المهم كيف تبيعه, وتقنع الآخرين بشرائه, ونظرا لاختلافهم علي اسم رئيس الحزب والمفترض ترشيحه, اتفق الجميع علي اسم مندوب المبيعات رغم أنه لايمت بصلة سياسية أوحزبية, لهم, واعتبروا أن هذا الاختيار هو المخرج لأزمة حزبهم, وفجأة وجد مندوب المبيعات المتجول نفسه رئيسا للحزب ومرشحا باسمه علي مقعد الرئاسة, وبعد ذلك لم يعد يطارد هذا السيناتور لإقناعه بشراء سلعته, فقد تحقق حلمه بالصدفة عندما وجد نفسه هناك وسط الدائرة التي كان لا يستطيع الاقتراب منها, ولم يكن يستطيع أن يبيع داخلها شيئا, فوجد نفسه يبيع مالديه بكلمات غير مفهومة وأجواء مضطربة تعيش مناخا مأزوما.
سواء تشابهت الأمور في الرواية الانجليزية أو في الفيلم الأمريكي, تظل الأجواء الفكرية والسياسية في مصر تحتاج إلي تفسير وربما إلي ضبط.. فهناك من يتصور أن رجلهم في هافانا يمكن أن يرسم مستقبل البلاد بمعلومات وأوهام تستند إلي الخيال, وهناك من دخلت عليهم خدعة مندوب المبيعات المتجول, واضطرتهم أزمة ما يعيشونه, لاختياره رئيسا للحزب ومرشحا باسمه علي مقعد الرئاسة الأمريكي!!
وكل هؤلاء تصوروا أنهم يستطيعون القفز علي الحقائق والواقع والقانون والدستور وكأننا بلد تحت التأسيس أو تحت الانتداب أو من الدول المستقلة حديثا, أو نحتاج إلي رجل يأتينا من هافانا أو مندوب مبيعات ساقته الصدفة, فصدق نفسه بعد أن توهم البعض قدرته علي تسويق بضاعته.
سأعود مرة أخري لقراءة الرواية ومشاهدة الفيلم, ولكن لن أنسي حكمة الفلاح المصري البسيط الذي يعرف طبيعة المناخ والأرض أكثر من رجال هافانا, ومن مندوب المبيعات, في الفيلم الأمريكي, عندما قال, انها نوة ستستمر قليلا ثم تنتهي ولكن علينا أن ننتبه لنوات أخري, يحاول البعض أن يحولها لإعصار يأتي معه رجلهم أو مندوب مبيعاتهم!!

تعليقات الفيس بوك

تعليقات

لا تعليقات

اترك تعليق