د.إبراهيم الغزاوي يكتب : الرئيس بين مطرقه الحكومة وسندان البرلمان

د.إبراهيم الغزاوي يكتب : الرئيس بين مطرقه الحكومة وسندان البرلمان

مشاركة

هناك فارق شاسع بين الأشخاص من حيث المواقع والأدوار، والذي يسري على الموظف العام من أمور حاكمة للمسئولية والالتزامات، ربما تعلو كثيرًا عن تلك التي يلتزم بها المواطن العادي، وهذا أمر بديهي، حيث هناك قاعدة لا يجب أن تغيب، مفادها أن المسئولية تترتب عادة على السلطة الممنوحة بمقتضى القانون والدستور.

ومن البديهي أن ندرك جميعًا، حكامًا ومحكومين، باعتبارنا أشخاص طبيعية وراشدة، أو هكذا يجب أن نكون، أن مستويات المسائلة تتدرج ارتفاعًا وهبوطًا مع تباين  قدر المسئول أو مستواه الوظيفي المناط به من الدولة، فما هو مطلوب من الرئيس بالقطع يختلف تمامًا عما هو مطلوب من باقي مستويات العمل التنفيذي مع الرئيس، وعلى رأسهم رئيس الوزراء باعتباره قمة الجهاز التنفيذي التالية مباشرة لموقع الرئيس …لأن مسئولية الرئيس سياسية أمام شعبه، وتنفيذية أيضًا.

لكن ربما أكثر ما يميز مسئولية الرئيس في بلادنا مصر هو أنه مسئول افتراضيًا ودستوريًا عن أداء الحكومة الرسمي بشكل لا يقبل فيه الإرجاء أو التهوين، وهذه هي المعضلة الأهم في أداء الرئيس في الفترة السابقة، أي مدة الرئاسة الأولى للرئيس السيسي، ثم بالقطع يسري هذا القول على المدة الثانية بل بالعكس، ربما تتزايد وطأة المسئولية على الرئيس، حيث أن الفترة الأولى سادتها إجراءات إصلاحية قاسية على المسار الاقتصادي بالدرجة الأولى، وتحملتها الجموع راغبة ومتفهمة لوعد الرئيس، وبما له من مصداقية، وبما ألفته الجموع منه من صدق وإخلاص، فزادت قيمة الاعتبارات الشخصية لشخصه كرجل صاحب كلمة وله احترامه ومحبته في قلوب الناس،أو الأغلب منهم وقد وعدهم بتغيير إيجابي في الفترة الثانية سيلمسه الناس بيسر.

وعندما تحملت الجموع أعباء فواتير الإصلاح الاقتصادي المرهقة للجميع، وللفقراء أكثر لضيق قدراتهم على التعامل مع تحديات الرفع التدريجي للدعم، وما واكبه من تعويم لقيم الجنيه وانخفاض لقوته الشرائية وارتفاع جنوني في الأسعار كل هذا حدث في الفترة الأولى للرئيس ومعه حدثت إنجازات كثيرة تفهمتها الجموع، وعلى رأسها عودة الدولة المصرية قوية وقادرة وما واكب ذلك من استقرار مفاهيم الأمن في الشارع المصري، وبالقطع ليس للحد المثالي ..ولكن للحد الذي يبشر بتقدم مطرد في الاستقرار الأمني من ناحية، وتقدم أسرع نسبيًا في وتيرة التنمية الاقتصادية من ناحية موازية، وهي مسألة أفرزتها خطط التنمية العملاقة التي انتهجها الرئيس في مدته الأولى،وما قدمته الدولة من مشروعات عملاقة في كافة المجالات وعلى كافة أرجاء البلاد، في خطوات تنموية غير مسبوقة في تاريخنا على الإطلاق.

وعلى الرغم من كون الحكومة، وعلى رأسها الرئيس قد اهتمت اهتماماً إنسانيًا بمحدودي الدخل في شكل العديد من التسهيلات والمساعدات التي عوضت نسبيًا عن إجراءات الإصلاح الاقتصادي القاسية إلا أن الانجاز ألأهم للرئيس اقتصاديا ظل ومازال وسيظل هو في مسار إعادة رسم البنية الأساسية الاقتصادية والتشريعية والخدمية بمصر..في شكل آلاف المشروعات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي مهدت وتمهد لثورة إيجابية اقتصادية وتنموية تشتاق إليها الجموع في مصر، بعد أن لمستها عياناً بيان على أرض الواقع في شكل شبكة طرق متميزة وطفرات في الطاقة والكهرباء والغاز واستقرار السوق الاقتصادي للسلع والخدمات، وندرة حدوث هزات سلعية من التي كانت تقسم وسط المواطن الفقير منذ عدة سنوات.

وليس هناك شك أن القوات المسلحة قد لعبت دورا هاما ومحوريًا، ووطنيًا، من الطراز الفريد، وهي تقدم باقتدار نمطا وطنيا إنتاجيا وتعميريا ليس له مثيل في المنطقة، وربما العالم وهو ما يثبت التقاء أهداف الحماية العسكرية التقليدية للجيش مع أهداف دفع عجلة التنمية للمجتمع بكامله ووفقت القوات المسلحة المصرية في مهامها الصعبة لكلتا الوظيفيتين في ثبات واقتدار لا ينكرهما عاقل أو منصف.

ولكن يجب أن نعي حكومة وشعبًا، أن تحدياتنا ليست لها منتهى، وأن تحديات الإصلاح الإداري والتنموي في هياكل النشاط المجتمعي الرسمي المصري ربما تعد أكثر أهمية وخطورة من تحديات المعركة الوطنية المقدسة ضد الإرهاب، لأن الإرهاب عدو ظاهر ومعلن ومؤقت وتلتقي فيه الجموع خلف مؤسسات الدولة وخلف الرئيس  في جبهة واحدة وقوية عكس الإصلاح الإداري  للدولة الذي يشبه السرطان في انتشاره بين أرجاء الدواوين العامة، لأنه أقام وتعمق في ربوع المؤسسات لسنوات طويلة، غابت خلالها المحاسبية الحقيقية في ظل أنظمة سياسية تسلطية لم تبذل الكثير  لتغيير النمط الإداري والخدمي المصري وتعاملت مع  المجتمع المصري على أنه مجتمع القطيع، ليس له إلا أن يأكل ويشرب وينجب، فغابت السياسات الحقيقية للتطوير والتنمية، وهو ما أوصلنا لما آلت إليه أمورنا في أعقاب ثورة يناير وما بعدها وحتى ثورة 30 يونيو.

لا بأس لقد تحمل المصريون كل ذلك عندما ظهر الرئيس في الصورة، وعندما وقفت خلفه مؤسسات الدولة الوطنية تدعمه وتشد في عضده، وهذه من نعم الله على مصر،أن جعل مؤسساتنا وطنية، لا تبيع ولاءاتها لاتجاهات عقائدية أو فكرية خارج إطار الروح العامة للمصريين، التي تتسم بالاعتدال والوسطية.

وهنا علينا أن نتوقع المزيد من الرئيس ..قبل أن نتوقعه من الحكومة …

لأن الرئيس هو الذي تعرفه الجموع، واختارته لفترة ثانية، في مظاهرة حب مصرية فريدة وتفهم كامل لتحديات الواقع المصري الداخلي والإقليمي.

ولأن المسئوليات ليست واحدة كما أسلفنا.

فمسئولية الرئيس تستغرق دور أي مسئول في الدولة، لأنه هو قائد فريق العمل الحكومي، ولأنه الذي اختار معاونيه، ولأنه هو الذي تعرفه الناس ووفقًا للدستور، هو رأس السلطة التنفيذية، وقمة الهرم السياسي في الواقع المصري.

وهنا لنا وقفة …مع بدايات فترة الرئيس الثانية…

وقفة تظللها أحلام مشروعة للمصريين في فترة جديدة للرئاسة تكون أخف وطأة من سابقتها..وأن يلتزم الرئيس بوعده للمصريين بأن القادم أفضل وأن فترات المعاناة الأسوأ قد تحملناها بالفعل.

يجب على الرئيس في الفترة القادمة أن يكون أكثر حزمًا مع ما تقوم به قيادات الدولة، في كل الأصعدة، وأن يكون تدخله جراحياً وقويًا عندما يكون هناك أي تصرف من الحكومة أو أي جهاز تابع لها، مما يعد خارج إطار توقعات الجموع ووعود الرئيس للناس، وخاصة أن الرئيس يدفع من رصيد محبة الناس له أي فاتورة مرتبطة بالترهل الحكومي أو نزق المسئولين .

والمسألة ليست فقط في الانفصال الشبكي المخزي الذي يقع فيه  بعض كبار المسئولين ومعهم رئاسة البرلمان، في الانشغال برفع رواتبهم ومضاعفتها مرات، والسعي بهمة لانراها في الاهتمام بأحوال الفقراء من المجتمع، في زيادة الرواتب للمناصب العليا في الدولة، و في وقت تتسيد فيه صيحات الدولة بدعوة الحكومة للترشيد، والمطالبة للمواطن أيضاً بالترشيد.

لكن الأمر يتطلب أكثر، تقديم حزمة تنموية ومجتمعية أكثر قربا من المواطن البسيط في الفترة القادمة..ونحن على أعتاب ميزانية جديدة، وأعتاب رفع أسعار بعض السلع الرئيسية، مما يعني موجة انفجارية للأسعار، وبدلاً من انشغال الحكومة وأعضاء البرلمان بتوخي الحذر والحرص على خطوات العمل العام في توقيت حرج، نراها تنهمك في زيادة رواتب الكبار،في خطوة استفزازية ليس هناك أسوأ من وقتها الآن.

وكأن الحكومة والبرلمان يقولوا للرئيس ” إذهب أنت وربك فأصلحا أحوال المصريين..إنا هاهنا متربصين بالمميزات والعطايا….

هنا على الرئيس أن يتصدى وبحزم، لأن الأمر ليس مجرد أرقام مالية في موازنة،الأمر أكثر خطورة بكثير لأنه يتعلق بترسيخ قيم العدالة والمساواة، و بفقدان بعض رموز العمل العام في مصر لإحساسهم ببلادهم وبما يعانيه الناس الذي هم خدامهم..

المصريون ينتظرون من الرئيس مزيدًا من القوة في مواجهة الفساد، وفي ترسيخ سيادة القانون وإحقاق العدل وترسيخ دعائمه، وفي إصلاح أنماط الإدارة المصرية الرتيبة والواهنة، ومزيدًا من التوفيق في انتقاء معاونيه، والتخلص من معظم من هو موجود اليوم، لأنهم عبء عليه وليس عونًا له .

كان الله في عونك يا رئيس …لكن هذا قدر من وثقت به الجموع .

 

 

 

لا تعليقات

اترك تعليق