حميد العسري يكتب: المغربي والسكيزوفرينيا

يعيش المجتمع المغربي كباقي مجتمعات ما يسمى «بالعالم الثالث» تحت وطأة التخلف والانحطاط على جميع المستويات، وهذا التراجع والتزمت ينعكس على شخصية المواطن المغربي التي يمكن تحليلها من جانبين اثنين: جانب أول، يمكن القول إنه موضوعي، ويجب فيه ربط شخصيته بالمجتمع والثقافة المهيمنة فيه، والتي هي ثقافة دينية بامتياز، هذه الأخيرة التي من سماتها التقوقع والانغلاقية  في أحكامها وجهازها العام؛ مثل أي منظومة دينية بصفة عامة.

أما الجانب الثاني فهو الذي يمكن القول أنه ذاتي؛ أي يرتبط بالفرد، ويتجسد في سلوكاته التي يمكن القول أنها تنم عن انفصام كبير في شخصيته وذلك من خلال مختلف المجالات وهذا الجانب لا يمكن فهمه إلا حينما يتم ربطه بالجانب الأول؛ أي جانب الثقافة التي تحكم المجتمع، ببساطة يمكن القول إن الانغلاق والتشدد الذي تفرضه الثقافة المغربية ممثلا في أحكامها؛ لنأخذ مثالًا العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والتي لا يسمح بها رغم عدم تسهيل شروط الزواج، فهذا مثال قوي على الانغلاق الذي تفرضه هذه الثقافة والذي ينعكس في سلوكات الأفراد وبمرور الوقت يخلق ذلك لدى الفرد انفصام الشخصية؛ أي الازدواجية في السلوكات هذه الازدواجية تتجسد في جميع مناحي الحياة لديه؛ ولنأخد مثالًا على ذلك مظاهر التدين التي تبرز في رمضان لدى مختلف الشباب المغربي حيث يتم الإقبال على أداء الطقوس الدينية طيلة الشهر وما إن يخرج الشهر حتى ينقلب الشاب رأسًا على عقب، وهذا الانقلاب له ما يفسره ألا وهو التشدد الذي يفرضه المجتمع على أفراده فلا يجدون من حل لمواجهة ذلك التشدد إلا النفاق وأداء سلوكات ازدواجية تنم عن مفاوضة القيم، أو مثلا شاب تجده يدافع عن الإسلام ولا يصلي!

هذا الانفصام الذي يحكم شخصية المواطن المغربي يتمظهر من خلال مختلف تعاملاته الحياتية، إذ هو أسلوب للعيش ومجاورة ومسايرة ذلك التزمت الذي تفرضه الثقافة، ويمكن القول أن كل الثقافات الشمولية المنغلقة التي تتسم بعدم التساهل مع أفرادها بخصوص مخالفة القوانين التي تضعها تنتج أفراد مفخخين وانفصاميين.

يتعامل المغاربة مع الانفصام بطريقة متعايشة؛ وأقصد بذلك أنه يستدمج (المواطن المغربي ) هذا الفعل ويعده شيئًا عاديًا في حياته اليومية سواء مع أفراد أسرته أو مع المجتمع، هذه السكيزوفرينيا التي تنشأ في نظر معظم الباحثين انطلاقًا من عدم تقبل الواقع والهروب من ثمة إلى الخيال  الذي يشكل في هذه الحالة تعويضًا نفسيًا عن هذا الفقدان في المجتمع، ويتجلى الانفصام لدى الأفراد في المجتمع في سلوك الثنائية؛ وهي تلك الازدواجية في التشبع بالقيم، مثلا يمكن لنا الاستشهاد بالمزاوجة بين قيم الحداثة مثل اللباس واستخدام الهواتف والتقنيات الذكية وبين استعمال قيم تقليدية من جهة أخرى كغلبة منطق العصبية، مثلا هناك بعض الأسئلة المتداولة في المجتمع المغربي كسؤال (منين فالخوت؟) هذا السؤال الذي يعني إذا شئنا ترجمته (لأية منطقة تنتمي؟)، وحينما يتم طرح السؤال بهذه الشاكلة فمغزاه هو التساؤل عن المصدر العرقي أو القبلي الذي ينتمي إليه الفرد المسائل، وهنا بشكل أو بآخر تبرز ثنائية القيم والتي تؤدي في الغالب بالمواطن في مجتمعنا إلى نهج هذا السلوك؛ أي الانفصام، ومن الأمثلة كذلك في عملية المراوحة بين هذه القيم نجد تصور الدولة المثالية في نظر المواطن المغربي، بين من يقول بأن الخلاص هو في دولة تعتمد على الدين باعتباره هو مرجعها الأساس والذي يؤدي إلى حفظ الهوية، وبين من يطالب بضرورة دولة علمانية حديثة باعتبارها هي الحل، وبين هذا وذاك يقف المواطن المغربي بين طرفي نقيض، وهناك نماذج وأمثلة كثيرة على الانفصام والمفاوضة بين القيم، كالنقاش بين الهوية والكونية، الحداثة والتقليد …  إلخ. إن ما يلاحظ في سلوك المواطن المغربي هو هذا الازدواج في التعامل مع المعطيات الحياتية.

مجمل القول أن التحليل الذي قمت به هو تحليل بسيط، نابع من رؤية شاب مغربي لتعاملات أبناء وطنه اليومية والتي تجسد هذا النفاق والانفصام، وهذا التحليل يمتح أيضًا من الاحتكاك اليومي بالمجتمع، وهو تحليل لست أبغي من خلاله إصدار أحكام تعسفية أو متسرعة حول سلوك الشخص في المغرب، وإنما هدفي تقديم مساهمة متواضعة حول موضوع شغل ولا يزال يشغل بالي بالتفكير فيه في محاولة مني لاستقصاء سلوك المغاربة.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات

لا تعليقات

اترك تعليق