المرأة التونسية.. مكسب جديد

قانون” إيقاف العنف المسلط على المرأة”

 

يوم26 جويلية( يوليو/ تموز) 2017، تاريخ آخر يكتب في سجل مكتسبات المرأة التونسية حيث صوت مجلس نواب الشعب التونسي بإجماع الحاضرين 146(من أصل 217) مع” قانون القضاء على العنف المسلط على المرأة”  هذا القانون، الذي يشمل العنف الأسري، يُعدّ خطوة مفصلية للحقوق الإنسانية للمرأة لتبدأ  مرحلة أخرى من العمل لوضع القانون موضع التنفيذ الكامل والقضاء على التمييز ضد النساء بضمان ما يلزم ذلك من إرادة سياسية حقيقية و توفير الموارد المادية اللازمة.

أول محطة تاريخية في مسيرة الحقوق الإنسانية  للمرأة  كانت بتاريخ 13 أوت (أغسطس)1956 ودخولها حيز التطبيق في 1 جانفي (يونيو)1957 خلال فترة تولي الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة(أول رئيس للجمهورية التونسية)  لرئاسة الحكومة و قبيل العهد الجمهوري و بقرار شخصي منه  صدرت مجلة الأحوال الشخصية وهي عبارة عن مجموعة قوانين اجتماعية تم فيها سن قوانين للأسرة تحوي تغيرات جوهرية من أهمها منع تعدد الزوجات وسحب القوامة من الرجل وجعل الطلاق بيد المحكمة عوضاً عن الرجل. ولا زال يعمل بها حتى اليوم. و ابرز ما جاء في المجلة:

  • منع إكراه الفتاة على الزواج من قبل الولي عليها.
  • تحديد الحد الأدنى للزواج بـ 17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى.
  • منع الزواج العرفي وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف.
  • إقرار المساواة الكاملة بين الزوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءات الطلاق وآثار الطلاق.
  • منع تعدد الزوجات ومعاقبة كل من يخترق هذا المنع بعقوبة جزائية.

واستمدت المجلة  محتواها من أفكار عدد من الزعماء الإصلاحيين التونسيين بينهم الطاهر الحداد و قد وجدت هذه الأفكار في شخصية بورقيبة القوية سندا قويا لتطبيقها على أرض الواقع.

و رغم محتواها الذي كان سابقة على المستوى العربي و الدولي فإن المجتمع المدني التونسي لم يتوقف عند ذلك الحد فهذا الوعي المجتمعي الكبير بمشاكل المرأة و خاصة العنف المسلط عليها بكل أشكاله سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و معنويا و لفظيا…  جعل  العديد من الجمعيات والمنظمات وبدعم الإعلام يتفاعلون ويتابعون ويتعاملون مع كل تلك المشاكل بإيجابية واهتمام كبير، وهذا شجع المرأة على عدم السكوت عن الاستغلال، وفضح التعدي عليها، والسعي إلى نيل حقوقها رغم أن ذلك ما زال ناقصا ويتطلب عملا كبيرا متواصلا ومتكاملا بين مختلف الأطراف من أجل المرأة والوطن.

هذا المجهود توج بالتصويت على قانون ” إيقاف العنف المسلط على المرأة” الذي يدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية و الذي جاء في ترجمة لنص الفصل عــ21ــدد من الدستور الجديد الذي أقر في 2014 على أن ” المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامّة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم.” ووفق المادّة 46 من دستور 2014″ تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها. تضمن الدولة  تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات. تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة.تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة”.
إذا جهود المجتمع المدني تواصلت، و بعد الإمضاء سنة 1985 على اتفاقية سيداو لمناهضة العنف ضد المرأة  بتحفظات ثم إلغاء هذه التحفظات سنة 2011 , لدفع الدولة التونسية إلى الاعتراف بأنّ العنف ضدّ النساء جريمة وإلى توفير الحماية لهنّ ومعاقبة الجناة.

وقد اعتمدت تونس، سنة 2008 إستراتيجية وطنية لمكافحة العنف ضد النساء في جميع مراحل الحياة لـكن الدراسة التي أنجزها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في 2011، حول العنف المسلّط على النساء، أثبتت أنّ:

* 47.6 ٪ من التونسيات بين 18-64 سنة تعرّضن خلال حياتهنّ إلى أشكال متعددة من العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي والسياسي.
* 42 ٪ من النساء اللائي شملهن الاستطلاع صرّحن بأنّهنّ لا يجرؤن على التصريح والكلام.
* 65 ٪ لا يطلبن المساعدة ويعتبرن أنّ ” العنف ضدّ النساء أمر شائع في مجتمعنا “، ” وأنّهنّ يخفن على سمعة الأسرة ” أو ” يخجلن من التصريح بالعنف ” أو ” يخشين الاستخفاف وعدم تصديقهن ”
* 17.8 ٪ تقدّمن بشكوى، و40٪ التجأن إلى مغادرة المنزل بسبب العنف.

و بالتالي جاء هذا القانون لتزويد النساء بالتدابير اللازمة لحصولهن على الحماية من أعمال العنف التي يرتكبها أزواجهن وأقاربهن أو غيرهم.وهو يتضمن أيضا أحكاما بشأن التحرش في الأماكن العامة والتمييز الاقتصادي. كما قام بإلغاء حكما يسمح للمغتصب بتفادي العقاب إذا تزوج من ضحيته”المجلة الجزائية” (قانون العقوبات) وشكل ذلك ضربة ضد الإفلات من المحاسبة على الاغتصاب.

يعرّف القانون العنف ضد المرأة بأنه “كل اعتداء مادي أو معنوي أو جنسي        أو اقتصادي ضد المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس والذي يتسبب بإيذاء أو ألم جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة ويشمل أيضا التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريات، سواء في الحياة العامة أو الخاصة”. يشمل ذلك العناصر الرئيسية لتعريف العنف المنزلي الموصى به في “دليل التشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة” الصادر عن الأمم المتحدة .

ينصّ القانون على أحكام جنائية جديدة و يضيف العقوبات المفروضة على مختلف أشكال العنف عند ارتكابها داخل الأسرة. كما يجرّم التحرش الجنسي في الأماكن العامة، واستخدام الأطفال كعمال منازل، ويغرم أصحاب العمل الذين يميزون عمدا ضد النساء في الأجور.

يتضمن القانون تدابير وقائية، مثل توجيه وزارة الصحة بوضع برامج لتدريب الطواقم الطبية على كيفية كشف وتقييم ومنع العنف ضد النساء، والمعلمين بشأن متطلبات القانون التونسي والقانون الدولي للمساواة وعدم التمييز وكيفية منع العنف والتصدي له، لمساعدتهم على التعامل مع حالات العنف في المدارس.

يتضمن القانون التزامات بمساعدة الناجيات من العنف الأسري، منها تقديم الدعم القانوني والطبي والمتعلق بالصحة العقلية. كما يسمح هذا القانون للنساء بالتماس أوامر زجرية ضد مرتكبي الانتهاكات ضدهن، دون تقديم دعوى جنائية أو طلاق. و يمكن للأوامر، من بين أمور أخرى، أن تلزم الجاني المشتبه به بإخلاء المنزل، والابتعاد عن الضحية وأطفالها، والامتناع عن العنف أو التهديد أو الإضرار بالممتلكات أو الاتصال بالضحية.

يدعو القانون إلى إنشاء وحدات للعنف الأسري داخل “قوات الأمن الداخلي” التونسية لمعالجة شكاوى العنف الأسري، وتعيين وكيل جمهورية مساعد في كل ولاية لمعالجة هذه الشكاوى. ينص القانون أيضا على تحميل المسؤولية الجنائية لـ “العون التابع للوحدة المختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة الذي يتعمد ممارسة ضغط على الضحية أو أي نوع من أنواع الإكراه لحملها على التنازل عن حقوقها أو لتغيير مضمون شكواها أو الرجوع فيها”.

بينما يشترط القانون على السلطات إحالة النساء إلى مراكز إنصات و إيواء إذا كن في أمس الحاجة إليها، إلا أنه لا يوفر آليات لتمويل هذه المراكز سوى كانت حكومية أو غير حكومية. كما أنه لا يتضمن أحكاما تنص على تزويد الحكومة بالمساعدة المالية في الوقت المناسب لتلبية احتياجاتها أو مساعدتها في إيجاد مساكن طويلة الأجل. باختصار، لا ينصّ القانون على كيفية تمويل الدولة البرامج والسياسات التي تضعها.

لمواصلة مكافحة التمييز الراسخ ضد النساء، على الحكومة أيضا أن تعالج قوانين التمييز الشخصية. رغم أن تونس لديها واحدة من أكثر قوانين الأحوال الشخصية تقدما في المنطقة، إلا أن القانون لا يزال يعيّن الرجل كرئيس للأسرة ويحرم بناته التونسيات من نصيب متساو من الميراث مع أشقائهن، وفي بعض الحالات مع أفراد الأسرة الذكور الآخرين.

في حين أن قانون الأحوال الشخصية في تونس يضع شروطا متساوية للزواج لكل من الرجل والمرأة، إلا أن التوجيه الإداري الصادر عام 1973 يحظر تسجيل زواج المرأة المسلمة برجل غير مسلم. لا يوجد هذا القيد على الرجال المسلمين.

هذا القانون” إيقاف العنف المسلط على المرأة ” هو صحيح يندرج ضمن 19 قانون شاملا للقضاء على العنف فقط على المستوى الدولي و الأول عربيا و إفريقيا ويمثل مكسبا تاريخيا هاما للمرأة و الأسرة في تونس و ركيزة لبناء مجتمع متوازن مبني على العدالة و المساواة و التكافؤ في الفرص  و القضاء على التمييز بين الجنسين لكن يعتبر ناقصا إذ لم يشمل العنف السياسي و الذي يمنع المرأة من الوصول إلى مراكز القرار و المساهمة في صنعه مع الرجل بتمثيلية متساوية وهو رهان جديد ينتظرنا كمجتمع مدني للعمل عليه و كسب التحدي من أجل حضور سياسي متميز و عن جدارة للمرأة و مشاركة بصفة فعالة في صنع السياسات العامة و الشأن العام./.

سامية الزوالي

عضوة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية

باحثة مجستير في النوع الاجتماعي و الثقافة و المجتمع بكلية الآداب بمنوبة

تعليقات الفيس بوك

تعليقات

لا تعليقات

اترك تعليق